أسباب زيارة وزيرة الدفاع الإسبانية إلى نواكشوط (تحليل)

موقع الدستور / محمود ولد  السيد

مع اختتام وزيرة الدفاع الإسبانية ماركاريتا روبلز زيارتها التي دامت يومين إلى موريتانيا تطرح أكثر من علامة استفهام حول أسباب الزيارة خصوصا انها تأتي بعد أيام من زيارة مدير قيادة القوات الفرنسية في إفريقيا الجنرال باسكال ياني، وزيارة رئيس أركان الجيش الجزائري الجنرال سعيد شنقريحة.

واستقبلت وزيرة الدفاع الإسبانية من طرف وزير الدفاع الموريتاني حننه ولد سيدي ثم من طرف رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني.

وحسب ما يبدو فإن هناك عاملين مهمين وراء هذه الزيارة أولاهما ملف الهجرة غير الشرعية والتي ارتفعت بشكل كبير خلال الفترة القليلة الماضية إلى الأراضي الإسبانية وخصوصا منطقة جزر الكناري.

حيث تسعى أسبانيا إلى التأكيد على العمل بالاتفاقيات التي تم توقيعها خلال زيارة رئيس حكومة إسبانيا بيدرو سانشيز ورئيسة مفوضية الاتحاد الأوروبي فبراير الماضي والتي تسعى إلى محاربة الهجرة غير الشرعية وتقديم إغراءات مادية وضمانات حقيقية إلى موريتانيا من طرف الإسبان والأوربيين تصل حدود اكتتاب مواطنين موريتانيين للأعمال الموسمية في اسبانيا وخصوصا في مجال الزراعة.

ورغم توقيع الاتفاقية بين الطرفين واتهام بعض الموريتانيبن للحكومة بالاتفاق على توطين المهاجرين داخل البلد ورغم زيارة سانشيز مرة أخرى نهاية شهر أغسطس الماضي إلى نواكشوط إلا أن الاتفاقية لم تؤتي أكلها خصوصا في ظل ازدياد حجم تدفق المهاجرين إلى البلد والذي وصل إلى حدود قياسية.

ورغم أن التقديرات كانت تشير بحسب اعتراف وزير الخارجية محمد سالم ولد مرزوك، إلى أن البلد يستضيف ما بين 350 ألف و 400 ألف مهاجر من دول الساحل، أي ما يعادل قرابة 10 بالمئة من سكان البلاد فإن الوقائع تشكك في ذلك خصوصا أن المتابع لوضعية العاصمة نواكشوط إضافة إلى نواذيب وبعض مدن الشرق الموريتاني يلاحظ ازديادا ملحوظا في نسبة المهاجرين من دول الساحل وغرب أفريقيا وخصوصا مالي خلال الأشهر القليلة الماضية والازدياد المضطرد في أعدادهم إضافة إلى أن السلطات تعترف بوجود نحو ربع مليون لاجئ ٱخرين قدموا من مالي المجاورة ويقيمون في مخيم “امبرة” بولاية الحوض الشرقي.

وقال وزير الدفاع حننه ولد سيدي خلال استقباله للوزيرة الاسبانية أن تدفق اللاجئين على الأراضي الموريتانية وصل إلى عتبة حرجة.

واضاف أن تدهور الأوضاع الأمنية في المنطقة يؤدي إلى زيادة تدفق المهاجرين غير الشرعيين، الذين يعبرون البلاد نحو إسبانيا.
وهو التصريح الذي يشرح بشكل كامل أسباب الزيارة ومساعي الجانبين الموريتاني والإسباني حيث يوضح الوضع الخطير الذي تعيشه البلاد والذي  فاقم مشكلة الوضعية الاقتصادية والأمنية الصعبة التي يعيشها البلد كما أنه يعكس رغبة الجانب الإسباني في مكافحة الهجرة غير الشرعية بأساليب استباقية انطلاقا من بلادنا وعدم الاكتفاء بإجراءات لاحقة أثبتت فشلها خلال السنوات الماضية.
ورغم أن هذا الشق هو السبب الرئيسي للزيارة إلا أن هناك شقا ٱخر يتعلق بالوضع الأمني في الساحل وسعي فرنسا وإسبانيا إلى استغلال علاقات الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني مع دول الساحل الثلاثة وإعادتها إلى الصف الأروبي خصوصا بعد الهزائم المتكررة التي تعرضت لها جيوش هذه الدول وقوات فاغنر في مالي.
ولعل هذا هو الوقت الأنسب لاستغلال الأوربيين لانشغال الروسيين بالوضع في أوكرانيا ومنطقة كورسك الروسية واستغلال علاقات الرئيس الموريتاني رئيس الاتحاد الأفريقي والذي حافظ على علاقات شبه جيدة مع الدول الثلاثة وهو التوقيت الخاص والذي قد لا يتكرر في المنظور القريب.
ويسعى الأوربيون إلى الضغط على النيجر بضرورة إعادة إغلاق طريق الهجرة المركزي إلى ليبيا إلى ساحل البحر الأبيض المتوسط والذي فتحته نهاية العام الماضي وتخلت عن الاتفاقيات السابقة مع الأوربيين.
وفتحت النيجر أبوابها الواسعة أمام روسيا والصين وإيران وتركيا من أجل التعاون معها، وتعويض الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي الذي فقدته بتدهور العلاقات بين نيامي وأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية لكن الهزائم المتتالية لقوات فاغنر في مالي وانشغال روسيا بالوضع في كورسك وأوكرانيا والوضع المتوتر بين إيران ودولة الاحتلال الإسرائيلي وانشغال الأتراك بالعمليات الانتقامية من الأكراد بعد الهجوم الأخير

كل هذه الأمور مجتمعة قد تغير مسار الأحداث وتعيد بوصلة دول الساحل الثلاثة إلى الغرب.
كما أن زيارة الوزير الأول النيجري علي محمد لمين زين اغسطس الماضي إلى الجزائر، واستعادة العلاقات السياسية والاقتصادية الطبيعية بين البلدين يأتي في نفس الاتجاه وإن كانت امريكا قد أعلنت منتصف الشهر الموالي عن اكتمال سحب قواتها من النيجر بعد طردها من البلاد إلا أنه لا توجد مصالح دائمة ولا عداوات دائمة في السياسة الدولية خصوصا في ظل حاجة فرنسا لإعادة علاقتها بهذا البلد لعدة أسباب من بينها اليورانيوم وحاجة إيطاليا واسبانيا إلى استجابة النيجر للضغوط وإعادة العمل باتفاقيات منع الهجرة غير الشرعية.
وعلى كل فإن زيارة زيرة الدفاع الإسبانية إلى نواكشوط تبقى مجرد حبر على ورق طالما لم تقم أوربا بتغيير سياستها الخاطئة اتجاه موريتانيا والضغط على حلف شمال الأطلسي لتعزيز قدرات البلاد في مجال الرقابة على الحدود البرية والبحرية في ظل الوضعية الهشة التي تعيشها المنطقة الإقليمية وهي مطالب قد تظل بدون تنفيذ بسبب البخل الأوربي وسياسات التوازنات التي تقودها فرنسا وحرصها على عدم زيادة قدرات موريتانيا على حساب حليفها الخاص في المنطقة وهو السنغال وهي السياسة التي قد تدفع كامل دول اوربا ثمنها الباهظ في وقت قريب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى