نواكشوط في قلب الصراع السعودي–الإماراتي

الدستور/ لم يكن غياب عدد من السفراء العرب عن افتتاح الدورة السادسة لـ”المؤتمر الإفريقي لتعزيز السلم” في نواكشوط حدثا بروتوكوليا عابرا، بل حمل في طياته رسائل سياسية تتجاوز حدود القاعة التي احتضنت المؤتمر، لتكشف عن امتداد التوتر السعودي الإماراتي إلى الساحة الموريتانية.
وشهد حفل الافتتاح، المنظم أمس الثلاثاء في قصر المؤتمرات القديم، مقاطعة واسعة من أغلب السفراء العرب المعتمدين في نواكشوط، فيما ترأس الوزير الأول المختار ولد اجاي الحفل، في وقت غاب فيه الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني عن الافتتاح لأول مرة رغم حضوره الدائم للدورات السابقة.
تنسيق دبلوماسي تقوده الرياض والجزائر
وبحسب مصادر إعلامية، فإن المقاطعة جاءت نتيجة تنسيق داخل السلك الدبلوماسي العربي في نواكشوط، قادته كل من السعودية والجزائر، على خلفية تصاعد الخلاف بين الرياض وأبوظبي في عدد من الملفات الإقليمية.
وأكدت المصادر أن هذا التنسيق أفضى إلى غياب سفراء السعودية ومصر والكويت والجزائر والعراق وليبيا والسودان وقطر واليمن عن حفل الافتتاح، في خطوة وصفت بأنها غير مسبوقة في تاريخ المؤتمر.
ولفتت المصادر إلى أن التحرك الدبلوماسي العربي جاء في سياق اعتراض سياسي على ما تعتبره بعض العواصم العربية “أدوارا إقليمية مثيرة للجدل” للإمارات، التي تعد الراعي والداعم الرئيسي للمؤتمر، والذي يترأس مجلسه العلمي مفتي الإمارات الشيخ عبد الله بن بيه.
أصداء صراع إقليمي في نواكشوط
تأتي هذه التطورات في ظل تصاعد التباين بين السعودية والإمارات، الذي انتقل خلال الأشهر الأخيرة من مرحلة التنافس الهادئ إلى ما يشبه “المجاهرة بالخلاف”، خاصة في ملفات اليمن والسودان والقرن الإفريقي.
ففي اليمن، برز اختلاف واضح في المقاربات بين الرياض وأبوظبي بشأن مستقبل الجنوب والموانئ الاستراتيجية، بينما امتد التنافس إلى القرن الإفريقي، حيث تتداخل المصالح الاقتصادية والأمنية، خصوصا في الموانئ وممرات البحر الأحمر.
ويرى مراقبون أن انعكاس هذا الخلاف على مؤتمر ينظم في نواكشوط يعكس اتساع رقعة التباين بين العاصمتين الخليجيتين، ووصوله إلى ساحات كانت تعد تقليديا بعيدة عن الاستقطاب الخليجي المباشر.
غزواني يختار الحياد
اللافت في المشهد كان غياب الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني عن حفل الافتتاح، وهو الذي درج على حضور المؤتمر في نسخه السابقة، ما اعتبره بعض المتابعين مؤشرا على رغبة موريتانيا في تجنب الاصطفاف ضمن أي محور في ظل التوتر القائم.
ويأتي هذا الموقف رغم ما وصف خلال السنوات الأخيرة بتقارب في الرؤى بين نواكشوط وأبوظبي في عدد من الملفات، ما يعزز قراءة مفادها أن القيادة الموريتانية فضلت هذه المرة اعتماد مسافة محسوبة، تحافظ من خلالها على توازن علاقاتها مع مختلف العواصم العربية.
كما أثار غياب السفير السعودي عن الافتتاح، مقابل حضوره مساء فعالية بالسفارة الإيرانية في نواكشوط، تساؤلات إضافية حول الرسائل السياسية التي أرادت الرياض إيصالها عبر هذا التوقيت.
بين السياسة والدين
ورغم أن “المؤتمر الإفريقي لتعزيز السلم” يقدم بوصفه منصة فكرية دينية لنشر ثقافة التسامح ومواجهة التطرف، فإن السياق السياسي المحيط بدورته الحالية أضفى عليه أبعادا تتجاوز طابعه الفكري.
ويشير متابعون إلى أن تسييس الفعاليات ذات الطابع الديني أو الفكري في ظل الاستقطابات الإقليمية يجعلها عرضة للقراءة ضمن توازنات النفوذ، خاصة حين تكون مدعومة من أطراف فاعلة في صراعات إقليمية محتدمة.
مشهد مفتوح على احتمالات
في المحصلة، تكشف المقاطعة العربية الواسعة لمؤتمر نواكشوط أن التوتر السعودي الإماراتي لم يعد محصورا في ساحات الصراع التقليدية، بل بات يمتد إلى الفضاءات الدبلوماسية والثقافية.
ومع استمرار التنافس بين الرياض وأبوظبي على إعادة رسم خرائط النفوذ في المنطقة، تبقى الساحة العربية مرشحة لمزيد من الارتدادات، فيما تحاول عواصم من بينها نواكشوط إدارة علاقاتها الخارجية بقدر عال من البراغماتية، تفاديا للانخراط في استقطابات قد تكون كلفتها السياسية أكبر من مكاسبها.
ويبقى التساؤل حول قدرة الرئيس ولد الغزواني على الحفاظ على موقف الحياد في مواجهة التوتر السعودي الإماراتي، على غرار ما نجح فيه سابقا بإبقاء موريتانيا ولأول مرة على الحياد في النزاع المغربي الجزائري، أم أن الضغوط والإكراهات الاقتصادية قد تفرض على البلاد مسارا مختلفا ؟